سياسة

“أنا يقظ”: وزير الدّاخلية يعتمدُ أسلوبا انتقائيّا في تنفيذ أحكام القضاء

أصدرت منظمة “أنا يقظ” بيانا على خلفية توضيحا وزارة الداخلية الذي يفيد بأن غلق مقرّ النقابة الوطنيّة لقوات الأمن الدّاخلي بالقوّة العامّة بالعاصمة جاء تنفيذا لحكم قضائي استعجالي في إطار نزاع مدنيّ بين النقابة والمالك الجديد للمقرّ.

وورد في بيان المنظمة “لئن كان تنفيذ الحكم القضائي المذكور يُعتبر في ظاهره وجها من أوجه احترام القانون الذي طالبنا ولازلنا نُطالب بالإذعان له حتّى لا تضيع حقوق الآلاف من المتقاضين العاجزين عن تنفيذ أحكامهم بسبب تواطئ السّلطة التنفيذيّة، وهنا لا يفوت منظمة أنا يقظ أن تذكر بمطلبها السابق بحل النقابات الأمنية التي لطالما هددت وحدة مؤسسات الدولة وأصبحت رمزا للإفلات من العقاب بالإضافة إلى اتهامات سوء التصرف المالي التي لاحقتها، إلّا أنّ هذا القرار يُخفي نيّة وزير الدّاخلية إستغلال قابليّة هذا الحكم للتّنفيذ لتصفية حسابات سياسيّة و مآرب شخصيّة، إذ أنّ مُؤسّسة وزارة الدّاخليّة كانت في أكثر من مناسبة مثالا في الإفلات من تنفيذ أحكام القضاء الصّادرة ضدّها، ففي ملفّ مشابه مع موضوع الحكم الذي تمّ تنفيذه اليوم أقامت وزارة الدّاخليّة الدّليل على مَأسَسَة انتهاك الحقوق المكتسبة والاعتداء عليها بإعراضها عن تنفيذ الاحكام القضائية.

حيث تعود وقائع هذا الملفّ الى سنة 1989 أين أبرم مواطن عقد كراء مع وزارة الداخليّة لمحلّ راجع له بالملك لاستغلاله كمقرّ لمركز الحرس الوطني لمدّة عام ينتهي موفّى جويلية 1990، و تواصلت العلاقة التسويغيّة بين الطرفين الى أن تولّى مالك المحلّ التنبيه على مصالح وزارة الداخليّة بإنهاء أمد التسويغ بمقتضى مراسلات كتابيّة منذ 2016، دون أن يتلقّى ردّا رسميا على مكاتيبه ممّا دفعه الى الاستعانة بعدل منفّذ للتعبيرعن عدم رغبته في تجديد العقد، وطلب تسليمه المحل المتسوّغ بنهاية الأجل المحدّد بمحضر التنبيه.

وبنهاية الأمد المضروب لإخلاء المحلّ تمادت مصالح وزارة الداخليّة في إشغاله، فقام مالك العقار بقضيّة استعجاليّة في الخروج لانتهاء أمد التسويغ لدى المحكمة الابتدائية بتونس، لتقضي هذه الأخيرة في حكم استعجالي صادر سنة 2019 بإلزام المكلّف العام بنزاعات الدولة في حقّ وزارة الداخليّة بالخروج من المكرى الراجع للمدّعي لانتهاء أمد التسويغ، إثر صدور هذا الحكم قام المحكوم لفائدته بإعلام ممثّل الوزارة عن طريق عدل منفّذ بالحكم المذكور الصادر ضدّها، الّا أنّها استأنفته لدى محكمة الاستئناف بتونس متمسّكة بالطابع الاداري للعقد الذي يربطها بمالك المحلّ، لتنتهي هذه المحكمة بدورها بإقرار ما جاء في الحكم الابتدائي الاستعجالي الذي يقضي بإلزام وزارة الداخلية بالخروج من المكرى لانتهاء المدّة في حكم استئنافي استعجالي صادر في 2020، فتولّى المكلف العام بنزاعات الدولة التعقيب في حقّ وزارة الداخليّة، الّا انّ محكمة التّعقيب بدورها انتهت ضمن قرارها التعقيبي الصادر في 2021 إلى رفض التعقيب أصلا.

وعلى الرّغم من انّ القانون يمنحه الحقّ في تنفيذ هذه الاحكام، إلّا أن مساعي مالك العقار باءت بالفشل إذ جوبهت جميع محاولات التنفيذ بالصدّ و رفض الامتثال لها، ورغم صدور قرارات قضائية في الطور الاستئنافي والتعقيبي تقرّ بصفة باتّة منطوق الحكم الاستعجالي الابتدائي القاضي بالخروج من المحلّ، إلّا أنّ مصالح وزارة الداخليّة لاتزال الى حدود اللحظة ترفض الاذعان لمنطوق الحكم الاستعجالي الصّادر ضدّها دون إعتبار لحاجة مالك العقار في استرجاع محلّه.

وعليه، وانطلاقا من القناعة الرّاسخة بأنّ عدم الامتثال إلى منطوق الأحكام القضائية يعدّ تهديدا و ضربا لمنظومة العدالة، خصوصا إذا صدر هذا التجاوز ممّن إستُؤمن على تنفيذ أحكام القضاء، يهمّ منظّمة أنا يقظ:

_ أن تُطالب  وزير الداخلية توفيق شرف الدّين بالإمتثال الى الحكم القضائي البات الصّادر في حقّ وزارة الدّاخلية و إرجاع الحقوق الى أصحابها وردّ الاعتبار الى المواطن التونسي الذي تمّ التنكيل به بإنكار حقّ من حقوقه المكتسبة ودفعه الى مُراسلة مصالح وزارة الداخلية بصفة متكرّرة لطلب التدخّل لتسوية وضعيّة تنفيذ حكم قضائي يُفترض تطبيقه والإذعان له بصفة آليّة في دولة تدّعي علويّة القانون، خُصوصا إثر مُعاينة قُدرة وزارة الدّاخلية اليوم على الاستجابة بصفة سريعة لمحاولة تنفيذ حكم استعجالي بالقوة العامّة،

_ أن تُشير إلى خُطورة المنهج الانتقائي المعتمد من قبل وزارة الدّاخلية في التنفيذ الآلي للأحكام القضائية الصّادرة ضدّ “خُصوم الوزير والرّئيس”، مُقابل التملّص من تنفيذ الأحكام الصّادرة ضدّ الوزارة، وهو ما يضرب مبدأ المساواة بين المواطنين و المواطنات أمام القانون، خصوصا مع إفتقار المنظومة التّشريعية الحاليّة إلى آليات لمواجهة الإدارة عند الامتناع عن تنفيذ الاحكام القضائية الصادرة ضدّها، وعدم ملاءمة الصيغة التنفيذية الحالية مع طبيعة الاحكام الصادرة ضدّ الإدارة نظرا لانعدام إمكانية اللجوء إلى طرق التنفيذ الجبري والاستعانة بالقوّة العامّة في حالات الامتناع عن التنفيذ.

 ختاما، لا يفوتنا أن نؤكّد على أنّ “تعطيل قرارات السلطة القضائيّة” يعتبر مظهرا من مظاهر الفساد حسب صريح الفصل الثاني من القانون الأساسي عدد 10 لسنة 2017 المؤرّخ في 7 مارس 2017 المتعلّق بالإبلاغ عن الفساد و حماية المبلّغين ، ممّا يضرب مصداقيّة برنامج الحكومة الحاليّة التي إعتبرت مكافحة الفساد من بين أولويّاتها من جهة، و إدّعاء رئيس الجمهوريّة بأن “لا أحد فوق القانون .. ولا أحد بإمكانه التعلّل بماله أو وظيفته أو قرابته للإفلات من الجزاء” التي تبيّن أنها قاعدة لا تنطبق إلّا إذا تعلّق الأمر بخصوم الرئيس.”

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

تعليقات

الى الاعلى